إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 8 أبريل 2020

عود على بدء للحديث عن تجديد الخطاب الديني


عود على بدء للحديث عن تجديد الخطاب الديني
                                                                            أ. د/ محمد شامة
     أعود للحديث عن تجديد الخطاب الديني بعد ما كتبت العديد من المقالات والكتب في هذا الموضوع؛ وذلك قبل أن يصدر التوجيه من السلطة العليا بضرورة التجديد؛ فقد نشرت – على سبيل المثال لا الحصر-في عام 2005م كتاباً بعنوان: "لا ...لتطوير الخطاب الديني"، وذلك إثر تداول الحديث آنذاك عن التطوير، فبينت في هذا الكتاب خطأ دعوة التطوير؛ لأن التطوير يتناول أصل المنهج الذي حدده القرآن الكريم في قوله تعالى: ﭐﱡﭐ     [النحل: ١٢٥] ، ولذا فلا يخرج منهج الخطاب الديني عن ثلاث: الحكمة، والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، وهي تغطى ما يحتاجه المخاطِب من أنواع المخاطبة لكل أنواع البشر على اختلاف درجات ثقافتهم وتنوع بيئاتهم الحضارية على مر العصور، وتباين تأثير أقطارهم وأماكن حياتهم على سطح الكرة الأرضية، فالمنهج الذي رسمه القرآن الكريم يتناسب مع ظروف أي عصر وطبيعة مختلف جمهور المخاطَبين. فلا داعي للتطوير وإنما المناسب الدعوة إليه هو طريقة وأسلوب العرض، فالتجديد ينصب على طريقة العرض، ولا يتناول تطوير المنهج لأن الصورة كما بيناها لا تحتاج إلى تطوير، بل تجديد ثوب الخطاب.
     وفي عام 2014م – وذلك بعد صدور توجيه المؤسسة العليا بالتجديد-نشرت كتاباً بعنوان: "الخطاب الديني المُفْتَرَى عليه" وذلك ردًّا على أصوات تطاولت على الخطاب فوجهت إليه اتهامات ونسبت إليه أقوالاً ليس من الحكمة التلفظ بها، ولا ينبغي ذكرها إذا أردنا الإصلاح حقاًّ وليس مجرد تكرير مهاترات لا فائدة من ورائها إلا البلبلة، وإحداث ضجيج لا يليق بمجتمع يضم عباقرة ومبدعين في هذا المجال. ثم نشرت في عام 2016م كتاباً بعنوان: تجديد الخطاب الديني بين العشوائية والمنهجية ، وذلك بعد ما أدلى كل بر وفاجر في هذا المجال، سواء كان متخصصاً أم غير متخصص. ولما اشتد الجدل حول اتهام الأزهر بأنه متقاعس عن العمل الجاد في هذا المجال، نشرت كتاباً بعنوان: "مسئولية مَنْ تجديد الخطاب الديني" بينت فيه أن مسئولية التجديد ليست مهمة الأزهر فقط، بل لابد من تآزر أطراف أخرى معه، مثل: وزارات: التربية والتعليم، والتعليم العالي، والثقافة، والشباب والرياضة، وكذللك الجامعات، والإعلام بجميع أنواعه وأطرافه، وغيرها من الجهات، بينتها بالفصيل في هذا الكتاب، ووُزِّعَ مجاناً.
     أعود بعد هذا كله للحديث عن تجديد الخطاب الديني، لا لسد ثغرة فاتتني، ولا لإعادة ما كُتِبَ للتذكير والتأكيد، بل لأن الأصوات التي تدعو إلى التجديد قد انحرف كثير منها عن جادة الصواب؛ فخاضت في مسائل ما كان ينبغي لها أن تخوض فيها، فطالبت بأشياء لا تتفق مع الوضع الثقافي للأمم؛ إذ ليس من المقبول في أي حضارة أن تمحو الأجيال كل ما بناه السابقون في الصرح الثقافي، أو تتجاهل كل ما وضعه الأجداد من لبنات في البناء الحضاري. تجاهل المتحدثون في قضايا التجديد هذا كله؛ فأرادوا محو التراث من ألفه إلى يائه، بحجة أنه يعوق مسيرة التجديد، وبالتالي يصبح عقبة في مسيرة التقدم المنشود وهذا هراء لا يدري مدعوه أنهم بهذه الدعوة يسهمون في هدم مرتكزات الأمة؛ فالتراث الإسلامي مصطلح شامل يتسع بكل ماله علاقة بالإسلام، سواء كان نصوصاً مقدسة: القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة. أو آراء العلماء السابقين في مجال فهمهم لهذه النصوص وتطبيقها على واقعهم الذي عاشوه لحل مشاكلهم التي كانت معاصرة لهم. فهو يشتمل على جانب مقدس لا يجوز إهماله، أو تجاهله، وإلا خرجنا عن ملة الإسلام، وهي تنحصر في نص القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة. فتلك نصوص يجب الالتزام بحرفيتها؛ فمن ينكر حرفاً من حروف القرآن الكريم لا يكون مسلماً، ومن ينازع في كيفية تأدية الفرائض، كالصلاة والصيام والزكاة والحج، أو يرفض حديثاً متواتراً يكون منكراً لأمر مقطوع بصحته وواجب الإيمان به. أما ما كتبه المسلمون حول هذه النصوص فهو فكر بشري يؤخذ منه ويرد عليه، لأنه فهم بشر للنصوص المقطوع بصحتها، تأثروا في هذا الفهم بثقافة العصر وعادات الشعوب وتقاليدها، لكن لا يجوز إنكاره كلية؛ لأنه هو الهوية الثقافية للأمة؛ إذ بدونه تضمحل المجتمعات وتتفكك داخليًّا، وقد تندمج ثقافيًّا في أحد التيارات الأجنبية. فللحفاظ على الهوية الثقافية للمجتمعات الإسلامية التي تكونت، ابتداءً من حركة التدوين في نهاية القرن الأول الهجري عبر القرون اللاحقة، مكوِّنة أعرافاً اجتماعية وتقاليد خلقية، توارثتها الأجيال على مر التاريخ الإسلامي، راسمة وموضحة المستوى الحضاري للأمة، فهي جذور حضارية، وثمار ثقافية، لا يجوز تشويهها، ولا ينبغي الاعتداء عليها بالحذف أو التنقية؛ ففي حذفها ضياع لهوية الأمة، ومسخ لثقافتها. وفي التنقية تشويه لثوب الأمة الحضاري، فضلاً عن عدم معرفة ما يمكن حذفه من العناصر، وما يجوز إبقاؤه؛ إذ يجر علينا محاولة الاتفاق على تنقية التراث خلافاً ونزاعاً حول ما يجب الاتفاق على ما يجب حذفه، بل إن هذا العمل سيشوه تاريخ الأمة الثقافي، ويمحو ماضيها الفكري، فتصير بلا ماضٍ ترتكز عليه، ومن لا ماضي له فليس له حاضر، ولن يكون له مستقبل يفتخر به أو يعتز بجذوره التي يرتكز عليها.
    وعليه فيجب البحث في التراث عن العناصر الملائمة للعصر فنستخدمها طيقاً لظروف الزمان والمكان، أما ما تجاوزته ظروف الحياة المعاصرة، فنبحث عن البديل التي لا يخالف نصًّا مقدساً قطعي الدلالة، ونترك غير الملائم في المخزن الثقافي معبراً عن هوية الأمة في ماضيها وتاريخها. وبهذا يكون لنا ماضٍ نفتخر به، وفي الوقت نفسه لا يقف حجر عثرة أمام إمكانية المحاولة لمواكبة العصر، والإسهام في وضع لبنات جديدة في صرح حضارتنا.
     ومن الأخطاء التي وقع فيها المتحدثون في التجديد: ادعاؤهم بأن رجال الأزهر منكفئون على الماضي، فلا يدركون طبيعة العصر، لأنهم غير قادرين على حل المشاكل المعاصرة. وتناسى هؤلاء-أو تجاهلوا ذلك عمداً-أن في الأزهر رجالاً، علماء مبدعون، قادرون على التعامل مع معطيات العصر، ولهم إنتاج حضاري، غير أن الإعلام يتجاهلهم لأنه يجري وراء المثير، ألا وهو إظهار الأفكار الشاذة التي تصدر عن قلة غير ذي شأن. ألا يعلم هؤلاء أن التقدم يبدأ بأفراد قليلة، شأنه في ذلك شان البذرة التي تنمو وتترعرع، وتلك ظاهرة التطور الحضاري عبر التاريخ الإنساني، وليس من المستبعد وجود أفكار شاذة حتى في فترة ازدهار الحضارة، فلا توجد حضارة كاملة في أفرادها فلا تخلو حضارة في مراحل تطورها من وجود أفراد يعيشون خارج الزمن، ولهذا لا ينبغي لمن يريد الاصطياد في الماء العكر أن يستشهد برأي شاذ هنا أو هناك، ثم يصدر أحكاماً عامة بأن الأزهر يعيش في عصور مضت، فنظرة إلي أوروبا التي  تعيش في أوج التقدم والازدهار فسوف تجد أصواتاً لازالت تعيش في القرون الوسطى وإن كانت قليلة فهي موجودة ولا يستشهد بها أحد للدلالة على تخلف المجتمع كما يفعل أولئك المتحدثين عن الأزهر.
     وثالثة الأثافي: الاعتقاد بأن الأزهر وحده هو المنوط به تجديد الخطاب الديني، فهذا قصور في الفهم؛ إذ أن واجب هذا التجديد لا ينحصر في الأزهر فقط، بل المطلوب تكاتف مؤسسات أخرى في الدولة معه للقيام بهذا الواجب، فعلى سبيل المثال: وزارات التعليم، والتعليم العالي، والثقافة، والشباب والرياضة، والإعلام. وكذلك المؤسسات المدنية: نقابات وأحزاب، وجمعيات، ونوادٍ، رياضية واجتماعية وخيرية. فإن تُرِك الأزهر وحده في هذا المجال فلن يكون لعمله التأثير المطلوب، بل بالعكس؛ ستهدم المؤسسات المتقدمة في الدولة ما يبنيه الأزهر، وهذا هو المشاهد في المجتمع؛ فالأزهر يبني وغيره يهدم، ولهذا يجب تكوين لجنة عليا يسهم فيها كل ما له صلة بالتجديد لتنسيق العمل في هذا المجال، وإلا فإن الأزهر يحرث في البحر، كما هو الماثل أمام أعيننا.
     بقيت كلمة أخيرة أوجهها لقيادات المؤسسات الدينية: لا تنسوا -أيها السادة-أن الركيزة الأساسية التي قامت عليها الحضارة الإسلامية التي نتغنى بها هي حرية البحث العلمي؛ إذ الحرية هي الأساس الذي يقوم عليه أي حضارة، وهذ هو المشاهد والمعلوم من التاريخ الإنساني، فانعدامها تخلف وانحطاط، وغيابها تحجر في الفكر، وتكلس في أوصال الأمة، فلا تستطيع النهوض، ولا تقوى على مواجهة العواصف؛ ولذا أناشدكم رحابة الصدر في مواجهة الآراء المخالفة لما تعتقدون، وإفساح المجال لنشر كل ما يراه الآخرون، مادام لا يخالف نصًّا قطعي الدلالة من القرآن الكريم، وليكن سلوك أسلافنا مع المخالفين لهم في الرأي قدوة حسنة لكم، فقد رُوِيَت في التراث الإسلامي كل الآراء ، مهما اختلفت اتجاهاتها، وتنوعت مضامينها، وما اختلاف المدارس الفكرية في جميع مجالات التخصص إلا دليلاً على أنه كان لكل فكر مكانه في صفحات هذا التراث، فلا تطمسوا معالم الآراء المخالفة، بل ناقشوها وصححوا أخطاءها من وجهة نظركم كما فعل أسلافنا، وإلا فلن يكون هناك تجديد، ولا ينتظر أن تقوم لنا حضارة تواكب التقدم والازدهار الفكري في العالم، ولنتذكر قول الإمام الشافعي: " رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب"، وليكن نصب أعينكم قول الإمام أبي حنيفة: "هذا أفضل ما توصلنا إليه فمن جاءنا بأفضل منه تبعناه"
     أرى أن أول خطوة على طريق التجديد دعوة المسلمين جميعاً على اختلاف آرائهم ومذاهبهم إلى مؤتمر يعقد تحت رئاسة شيخ الأزهر، ويكون شعاره: "نحن أمة واحدة" ما دمنا متفقين على المبادئ الأساسية لأمة الإسلام، ألا وهي: الإيمان بوحدانية الله، والاعتراف برسالة محمد e  وأنها خاتم الرسالات، والإقرار بنصوص القرآن الكريم، والالتزام بالسنة العملية، والتسليم بالأحاديث المتواترة، وماعدا هذا فلكلٍّ رأيه في تفسير النصوص واستخراج الأحكام منها، بشرط ألا يتعارض مع نص قطعي الدلالة، كما يلتزم الجميع باحترام الآراء المخالفة، وعدم استخدام العنف وسيلة للسيطرة على المخالفين، وبذلك نعيش جميعاً تحت راية واحدة، هي الإسلام، مع اختلافنا في الرؤى والاتجاهات، تحقيقاً لقوله تعالى:  ﱡﭐ    

                                                                                     أ. د/ محمد شامة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مقدمة المدونة

                  مقدمة المدونة تعددت الأصوات المطالبة بتجديد الخطاب الديني؛ إذ أدلى بدلوه في هذا المجال المتخصصون وغير المتخصصين ...